جورنال أنفو
جريدة رقمية مغربية متجددة على مدار الساعة

 ملعب “كازابلانكيز”..  من الأبطال إلى الأزبال 

معلمة حولها النسيان إلى مرتع للنفايات واستعدادات لإعادة تأهيلها من جديد

 

بشرى بلعابد

تشوه مخيف، ذلك الذي حول ملامح معلمة تاريخية إلى مزبلة بكل المقاييس، تشوه يبعث على القلق الشديد من مصير هذا الفضاء الرياضي . يتعلق الأمر بحلبة “كازابلانكيز” لألعاب القوى بالدار البيضاء، والتي كانت لزمن غير بعيد ملعبا راقيا تفوح منه رائحة الياسمين، ويبعث على أمل مشرق لمواهب غنية احتضنها قبل أن تنطفأ شعلتها بعد قرار إغلاقه.

جدران متآكلة ومدرجات تحولت من الفرجة إلى قبلة للمشردين الذين اتخذوها منذ سنوات مقاعدا لهم. مشهد ينضح بمأساة حقيقية لملعب كان مهدا لأبطال كبار مروا منه قبل أن يرصعوا أسماءهم  في سجل الرياضة المغربية.

يتعلق الأمر بالجيل الذهبي الذي حمل الراية الوطنية في المحافل الدولية، محطما أرقاما قياسيا وإنجازات من ذهب لم يعد المغرب يشهد لها مثيلا كما كان من قبل . من ألمع هذا الجيل النجمين العالميين السابقين، نوال المتوكل وسعيد عويطة، الذين اعترف بهما الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه الملكي سنة 1997 حين قال إن العالم أصبح يعرف المغرب بنوال وعويطة أكثر من ملكه.

وإذا كان الاعتراف الملكي بقيمتهما فخرا واعتزازا، فإن القليل من يعرف أن ملعب “كازابلانكيز” له الفضل في نشأتهما وصقل موهبتهما ونجوميتهما التي تربعت فيما بعد على عرش أم الألعاب.

نوستالجيا..

كلما مررت بجانب حلبة “كازابلانكيز” بمدينة الدار البيضاء أو وطئت قدمك بها، إلا وينتابك شعور  بالبكاء والحسرة على ماضيها المشرق. فملامح هذا الملعب التاريخي الذي بناه الفرنسيون سنة 1939، والذي ظل شاهدا على نجاح أسماء كبار حملوا شعلة المغرب في الاستحقاقات الدولية، قد اندثرت ولم يعد في الوجود سوى مساحة قاحلة، كانت قبل سنوات مساحة خضراء حيث كان اللاعبون يمارسون لعبة رمي الرمح أو الجلة، وهي تتوسط ممرا دائريا خصص لمسابقات الجري في جميع التخصصات.

هذا الملعب المتواجد قرب حديقة الجامعة العربية بالعاصمة الاقتصادية، ظل منذ تأسيسه متنفسا للبيضاويين، حيث كانوا يمارسون مواهبهم، من رياضة الملاكمة والمصارعة والجمباز إلى الجري ورمي الرمح و الجلة. ومنذ قرار إغلاقه سنة 2002 بأمر من السلطات المحلية، والبيضاويون يئنون بسبب ما آل إليه بعدما حوله النسيان إلى مرتع للنفايات ووكر للدعارة، حيث أصبح ينام المشردون وتقترف جرائم  وصلت إلى حد سرقة أمتعة اللاعبين والسطو على ممتلكاتهم من قبل المنحرفين، بعدما قررت السلطات إغلاق أبواب أنديتهم بالإسمنت والحجارة، ولتحولها لعنة الدمار إلى أبواب مجهولة كانت بالأمس القريب تعلوها شعارات تحمل أسماء فرق معروفة.

قل للزمان إرجع يا زمان..

نوال المتوكل، فاطمة عوام، خديجة بشار، سعيد عويطة، بوشعيب لمعاشي…، أسماء لازالت خالدة في ذاكرة ألعاب القوى الوطنية.. أبطال انطلقوا من ملعب كان، ولزمن غير بعيد، معلمة مميزة ضمن معالم مدينة الدار البيضاء.

إنه ملعب كازابلانكيز، التحفة الرياضية الوحيدة التي بناها الفرنسيون منذ عهد الحماية سنة 1939، وهو منذ ذلك الوقت، استطاع أن يشكل ملعبا استراتيجيا مهما، ومتنفسا لمواهب الشباب الرياضية، الذين أبانوا فيما بعد عن تألقهم، وتمكنوا من إحراز بطولات متعددة سواء على الصعيد الإفريقي أو الدولي.

وتبقى البطلة العالمية السابقة نوال المتوكل من بين العداءات الكبار اللاتي احتضنهن الملعب، قبل أن تصبح فيما بعد أول عداءة عربية وإفريقية تحرز ميدالية ذهبية في سباق 400 متر حواجز في أولمبياد لوس أنجلوس سنة 1984، وتبقى نوال خير نموذج للعداءات اللواتي بدأن مشوارهن الرياضي من حلبة كازابلانكيز، إلى جانب عدائين كبار، حققوا بدورهم إنجازات وألقابا مشرفة لرياضتنا الوطنية. ومنذ إغلاقه سنة 2002، من طرف ادريس بنهيمة الوالي السابق لمدينة الدار البيضاء، والملعب يشهد حالة من الفوضى والإهمال، بسبب لجوء المتشردين إليه الذين حولوه إلى وكر لشرب الكحول والمخدرات.

ومنذ أن قرر ادريس بنهيمة إخلاء الأندية وإغلاق أبوابها بالإسمنت، واللاعبين يعيشون حالة النفي الاضطراري في انتظار إصلاح ملعبهم وإعادة تأهيله كما وعدهم بذلك.

لحسن بلان.. بطل في خريف العمر يحتضر في صمت

بعد دخولنا إلى الملعب، لم نجد أثرا لملامحه بعد أن حوله النسيان إلى دمار، فالأندية التي كانت مصدر نشاطه ورواجه، انمحى أثرها ولم يعد مكانها سوى أبواب موصدة بالحجارة والأسمنت، لتخفي وراءها ماض مشرق وتاريخ حمل شعلته نجوما كبار.

كلاب ضالة هنا وهناك، وروائح كريهة تبعث على الغثيان تفوح من جنبات الأندية، بعدما كان اللاعبون يستنشقون روائح الياسمين والاشجار المحيطة بها.

لم نجد بين تلك الأندية التي كانت تنتمي إلى فرق كبرى كالرجاء والوداد البيضاويين، و”السيمسي”،.. واللائحة طويلة، سوى فريق وحيد أصر أصحابه على إبقاء بابه مفتوحا رغم قرار السلطات المحلية بإغلاقها جميعا بأمر من الوالي السابق للعاصمة الاقتصادية، ادريس بنهيمة، بدعوى إعادة هيكلة وإصلاح الملعب.

يتعلق الأمر بنادي النجوم “ليطوال”، والذي لم يعد سوى مكان أشبه بقبو مخيف، حيث اندثرت ملامحه وفقد الحياة التي كان ينبض بها.

سألنا رجلا مسنا كان يقعد أمام باب النادي عن تاريخ هذه المعلمة، لنكتشف أنه كان بطلا من الجيل الذهبي، وإن لم يسعفه الحظ في اعتلاء الشهرة كغيره من الأبطال لأسباب صحية.

يحكي هذا الرجل ويدعى “لحسن بلان”، والذي امتهن بعد اعتزاله الجري مهنة حكم وطني معروف، حاملا صفارة المسابقات الوطنية والدولية التي كانت تنظم بملعب “ليديال” بالدار البيضاء، قبل أن يتقاعد بعد بلوغه سن السبعين.

هذا الرجل كان في سنوات الستينيات من القرن الماضي، بطلا عربيا وإفريقيا في مسافة 110 متر حواجز كما كان متخصصا في مسافة 400 متر حواجز، وهي المرحلة التي عاصر فيها الجيل الذهبي كالبطل بوشعيب المعاشي، ادريس المعيزات، بلعكري، الشعبي فوزير..إلخ.

ودفاعا عن هذه المعلمة التي همشت لسنوات، أسس “با لحسن” جمعية ذاكرة ملعب كازابلانكيز لألعاب القوى، بهدف لم شتات الأبطال القدامى وتوحيد كلمتهم للدفاع عن قضية هذا الملعب.

ارحمو عزيز قوم ذل..

“با لحسن” كما يلقبونه، لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له مصيرا كهذا، بعد أن تحول إلى شخص مجهول ينتظر من يمد له يد العون بعدما تخلت عنه جامعة ألعاب القوى، والتي لم تكلف نفسها عناء تعويضه عن مشواره الرياضي، ولا عن مهنته التي أفنى فيها زهرة شبابه كحكم دولي، فالبطل الذي حمل الراية الوطنية في الاستحقاقات القارية آنذاك، أصبح الآن ينتظر من يساعده على توفير لقمة العيش وهو في خريف العمر.

كشف “با لحسن” الذي اغرورقت عيناه حين أعدناه إلى الماضي الجميل، أن إغلاق السلطات المحلية لملعب “كازابلانكيز”،  تسبب في قتل المواهب، “علما أنه كان من الممكن أن نستثمرها وأن نصنع نجوما كبار طيلة مدة إغلاقه التي تفوق عشرات السنين، إلا أنه ظل مفتوحا في وجه المشردين، وهو وضع دفعهم إلى تغيير وجهتهم نحو مجال آخر، بينهم من استسلموا وبحثوا لهم عن مستقبل آخر، وبينهم من ظل صامدا لآخر رمق”.

جشع لوبي العقار وراء تردي الملعب

أجمع عدد من البيضاويين المتشبثين بحقهم في هذا المكان، أن لوبيات العقار، وبعض مسؤولي المدينة، وراء هذا التردي المقصود لهذه المعلمة الرياضية. مشيرين إلى أنه كانت محاولات يائسة من طرف أحدهم للاستحواذ على هذه المعلمة قبل أن يعلو صوت البيضاويين واللاعبين على مشاريعهم و”جشعهم”.

وبين توالي مجالس المدينة، وتوالي وزراء الشباب والرياضة، لم يزد الواقع إلا ترديا، بين من يطالب بالإصلاحات في غياب الإمكانيات، ومن يفضل أن يبقى الوضع على ما هو عليه لغاية في نفس يعقوب، والضحية قلب العاصمة الاقتصادية العليل.

عدم الوفاء بالوعود….أفقدنا الثقة في المسؤولين

عبارة جاءت على لسان عمر بوكداد، المدرب التقني لفريق الحياة الرياضية البيضاوية، في حديثه مع “جورنال أنفو”، وهو أحد المدربين بالملعب الذين كونوا أبطالا ناشئين ضمن المسافات الطويلة لألعاب القوى. وأمام الوضع السيء الذي أصبح يشهده، فقد عبر عن استياءه من الواقع الآني الذي آل إليه. …”سبق أن زار الملعب المسؤولين القائمين على هذا الشأن، حيث قاموا بإلقاء نظرة شاملة على النوادي والحلبة، ووعدونا بتنسيق مع مجلس المدينة بإعادة إصلاح الحلبة، لكن للأسف لم يتم الوفاء بهذا القول، وبقي الوضع قائما كما هو عليه، وهذا مشكل أثار حفيظتنا من هؤلاء المسؤولين الذين أفقدونا الثقة في وعودهم…”

هذا وتم في السنوات الأخيرة اتفاقا بين كل من مجلس المدينة والوزارة الوصية، لإعادة هيكلة الملعب، ويتعلق الأمر بإصلاح القاعات الخاصة بالجومباز والكاراطي والملاكمة والجيدو وتجهيزها بأحدث الوسائل، كما جاء على لسان مصادر مسؤولة، وهي اتفاقية “تروم بناء قاعة خاصة للرياضات البدنية بالإضافة إلى إدخال عدة تحسينات على النوادي المنضوية تحت لواء ألعاب القوى، هذا وسيتم تدشين مكتبة خاصة بالثقافة الرياضة، بغية خلق فضاء ثقافي رياضي مشترك، وفي النهاية سيتم وضع ثمن رمزي للانخراط في هذه النوادي حتى لا يحدث هناك نوعا من الفوضى” على حد تعبيرهم.

بداية أشغال ” كازابلانكيز” و الميزانية تفوق 46 مليون درهم

بعد أسابيع قليلة، ستنطلق الأشغال بملعب ” كازابلانكيز”، ليبدو في أبهى حلة في أفق الانتهاء من أشغاله بعد ثمانية عشر شهرا، مع الاحتفاظ بواجهاته العمرانية، “لأنه من المباني التاريخية، والمواقع والمناطق المصنفة في عداد الآثار في العاصمة الاقتصادية”، كما جاء على لسان المدير الجهوي للشبيبة والرياضة في ولاية الدار البيضاء.

إعادة الاعتبار لهذه المعلمة التاريخية التي أفرزت أبطالا كبارا، بعث الأمل في نفوس البيضاويين. ففي محاولة منا لمعرفة انطباعهم، اقتربنا من أحد المواطنين الذي كان يجلس في جنبات الملعب، خلال زيارتنا لهذا الفضاء الرياضي الذي أضحى يطاله الإهمال، كانت تقاسيم وجه الرجل تحيل على أنه تجاوز الخمسين سنة، بمجرد ما سألناه هل تذكر كيف كانت هذه المعلمة؟ بدت على وجهه الحسرة فقال: ” فين أيام كازابلانكيز، أيام كان الشجر والربيع يغطي هذا المكان”، مضيفا كانت نفسي تنشرح عندما آتي إلى هذا المكان وأشاهد شبابا يزاولون الرياضة، أما الآن فكلما شدني الحنين، واتجهت صوب هذا المكان ينتابني إحساس من الحسرة، منذ أكثر من سنتين تقريبا وأنا أسمع أنه ستتم إعادة الاعتبار لهذه المعلمة، لكن لحدود الساعة لم أرى أية أشغال، نأمل أن يحاول المسؤولين التعامل بشكل جدي مع هذا الفضاء، لأنه معلمة تاريخية تدخل في المعمار التراثي ويستحيل أن نفرط فيه هكذا ليظل مرتعا للمتشردين، بدل أن يحتضن أبطالا.

قائلا في السياق ذاته، عندما ألتقي مع أحد الأشخاص الذين يدرون تاريخ هذا المركب الرياضي، فإن حديثنا ينصب حول قرار إغلاق سلطات مدينة الدار البيضاء في عهد الوالي السابق إدريس بنهيمة، الذي كان قرارا أجهز على ألعاب القوى، وحكم على أم الألعاب بالفشل، حسب تعبيره.

حملنا هموم هذا المواطن، وطرقنا باب المدير الجهوي للشبيبة والرياضة في ولاية الدار البيضاء، فكشف لنا أن مشروع إعادة تهيئة ملعب حديقة الجامعة العربية “كازابلانكيز” سيبدأ في التنفيذ بعد أسبوعين من الآن، وسيكون جاهزا حسب ما هو متضمن في هيكلة المشروع خلال مدة 18 شهرا من إعطاء انطلاق إنجاز المشروع، أما في ما يتعلق بالميزانية المرصودة، فأوضح المسؤول ذاته أن كلفة المشروع تفوق 46 مليون درهم و795 ألف، مشيرا إلى أن المبلغ لا يتضمن مشروع إعادة تأهيل حلبة ألعاب القوى، التي ستدخل في إطار صفقة أخرى منفصلة، مضيفا أن الوجه الجديد لملعب “كازا بلانكيز”، سيبدو في أبهى حلة بعد انتهاء الأشغال، موضحا أنه ستتم توسيع حلبة ألعاب القوى، التي يبلغ طولها 300 متر لتصل إلى 400، بهدف احتضان تظاهرات رياضية كبرى.

وقال المسؤول في وزارة الشبيبة والرياضة، في تصريحه لـ”جورنال أنفو” إن المركب الرياضي سيتضمن إحداث قاعات للرياضات المختلفة، مثل الملاكمة، وكمال الأجسام، إضافة إلى العديد من المستودعات، كما تتضمن عملية إعادة التأهيل هذه، إعادة الروح في ملعب ألعاب القوى، وإصلاح القاعات الخاصة بالجمباز وتجهيزها بأحدث الوسائل، إضافة إلى ذلك تخصيص فضاء لجمعيات النوادي بالإضافة إلى إدخال عدة تحسينات على النوادي المنضوية تحت لواء ألعاب القوى، كما سيجري تدشين مكتبة خاصة بالثقافة الرياضة، بهدف خلق فضاء ثقافي رياضي مشترك،وكذلك وضع سياج محيط بالملعب، و تأهيل الفضاءات المختلفة المحيطة بملعب الجامعة العربية.

كما يتم الحديث عن أن الحلة الجديدة للمركب ستتضمن، مرافق إدارية جديدة، وقاعة للمحاضرات، وقاعة للعروض السينمائية، كما سيجري كذلك رفع عدد ممراته من 4 إلى 6، وسيعاد تعشيب الملعب بالعشب الطبيعي.

وقال المعتصم في تصريحه إن تمويل هذا المشروع هو تمويل 100 في المائة من وزارة الشبيبة والرياضة، مشيرا إلى أن هناك سعي نحو خلق فضاء عائلي وثقافي ورياضي مع توفير كل الإمكانيات لتحقيق ذلك.

موظفون بدون تعويضات

من أجل التعرف على تاريخ ملعب ” كازابلنكيز”، كان لابد لنا أن نعرج على بلان لحسن، هذا الشخص الذي حمل شعلة ألعاب القوى المغربية، كما كان موظفا تابعا لمجلس المدينة في مصلحة حراسة الملاهي الترفيهية في مدينة الدار البيضاء، بعد أن حصل على تقاعده الذي لا يتعدى 1000 درهم، تم الاحتفاظ به من أجل حراسة الملعب، إلا أنه إلى الآن لا يتقاضى أي تعويض نظير الخدمة التي يؤديها.

وأشار لحسن، إلى أنه عندما تم إخباري أني سأستمر في حراسة الملعب، رغم أني حصلت على تقاعدي، فإن فرحتي كانت كبيرة، لأن التعويض الذي حصلت عليه من تقاعدي لا يكفيني وعائلتي، وظننت أنني سأتقاضى نظير مهنتي الجديدة بعد المعاش أجرا شهريا، سينضاف إلى تقاعدي، وبالتالي فإن مدخولي سيتحسن، لكن حوالي 4 سنوات وأنا أزاول مهامي بشكل يومي دون الحصول على أي شيء، اللهم تعويضا هزيلا توصلت به في أول شهر من مزاولة مهامي كحارس لهذه المعلمة التي طالها النسيان، ثم بعدها لم أتوصل بشيء، لكن رغم ذلك لم أتوقف عن العمل،ويستمر لحسن في حديثه قائلا: ملعب “كازابلكيز” للأسف ظل منه الإسم فقط، فأنا ألتحق بالعمل في الصباح الباكر ، ولا أغادره إلا عند حدود الساعة العاشرة ليلا، أظل طوال اليوم وأنا أحرس المكان، وأبعد المتشردين عن المكان، لكن في الليل يتحول إلى ملاذ للمشردين، مضيفا أن الشرطة تقوم بواجبها، إلا أن ” خفافيش الليل” تستطيع التسلل وتبيت هنا داخل مرافق الملعب، التي لم تعد تحتوي على أبواب، وأشار بيده إلى حيث المراحيض قائلا: هناك، أكيد أنكم ، عندما كنتم تجتازون الممر انتابتكم رائحة كريهة، موضحا إن السبب في ذلك يعود لكون أن المتشردين للأسف حولوا هذا المكان إلى مزبلة حقيقية، “يتغوطون” هنا وهناك، وهذا أمر يحز في النفس.

يصمت لحسن، كأنه يسترجع ذكريات زمن ولى، ويقول بحماس كبير: هذا الفضاء احتضن لاعبين دوليين، ويدي شاهدة على ذلك، فكيف يعقل أنه أضحى مرتعا يتغوط فيه المشردين.

يتركنا حسن ويتجه إلى إحدى الغرف، فيمسك بمحفظة سوداء، ويبدأ في التفتيش داخلها، فيقول والبسمة تعلو فمه هذه المحفظة لا تفارقني أبدا إنها تحمل ذكرياتي وذكريات هذه المعلمة التاريخية، يحمل صورة ويقول: أنظري لهذه، إنها نوال المتوكل، وهذا أنا ،أقف هنا أمسك بيدي المسدس، لأعطي انطلاقة السباق (Avos marque)- (Prét.) ” (parter)، مضيفا كنت سعيدا بهذه المهمة وأنا أرى أمامي أبطالا تخرجوا من هذه المعلمة التاريخية.

اليوم بعد أن طال النسيان ملعب “لاكازا بلانكيز”، صرت أرى أحلامي وذكرياتي كلها انهارت، لكن بعد أن علمت أن المسؤولين يتجهون نحو إعادة الاعتبار لهذه المعلمة التاريخية، فإن فرحتي لا تعادلها أية فرحة، فرحة أنستني واقعي المزدري مع تقاعد هزيل لا يكفيني وأسرتي الصغيرة، وواقعي اليومي بين مزاولتي لمهنة أفتخر بها وأزاولها من دون تعويض مادي في انتظار الفرج.

وبصوت مخنوق يقول لحسن بلان، 1000 درهم لا تكفيني، فسومة كراء الغرفة التي أقطنها تكلفني، 500 درهم شهريا،أما فاتورة الكهرباء والماء فيتراوح ثمنها شهريا بين 100 و 200 درهم، يتبقى لي 300 درهم، في نظركم هل يمكن لهذا المبلغ الزهيد أن يكفيني وأسرتي طوال الشهر؟ !!!!

تعليقات
تحميل...