جورنال أنفو جريدة إلكترونية

التنمية الذاتية.. شعوذة جديدة وموضة العصر

ذ.رشيد بونويجم - جورنال أنفو

0

من البديهي الانتباه إلى موضة غزت كل السياقات الاجتماعية والتربوية وانتشرت كالنار في الهشيم، تطالعنا كل دقيقة وثانية، وهم رجال ونساء يسمون أنفسهم تسامي متعددة لكسب الاختلاف والتميز، وهي مدرب معتمد في التنمية الذاتية، مدرب أو بلغتهم كوتش في التطوير الذاتي وتعزيز القدرات، كلها تسميات مزركشة ومنمقة تثير الاهتمام وتطرح أكثر من سؤال!؟

من هم هؤلاء؟ خريجو معاهد مختصة في السيكولوجيا والتربية؟ مختصين في أحد فروع علم النفس؟ لهم بحوث معمقة في الشروط المعرفية والنفسية المنتجة للسلوك؟ هل هم عارفين بسياق تطور العمليات العقلية والعاطفية لدى الإنسان منذ طفولته الى حدود بداية مرحلة الشباب الأولية؟ هل هم كجون بياجي الذي اجتهد أكثر من عشرين سنة، وأفاد بعدها أن هناك اختلافات لا حصر لها في النمو العقلي للذوات؟ تجد هذه الفئة تفاجئنا في بعض المنابر الإعلامية تقدم نصائح جاهزة، كأنها حل للمشكلات النفسية العويصة، إنها مجرد موضة غربية، ففي المجتمعات الغربية تم التقعيد للمشتغلين في التطوير الذاتي وفق دراسات مكثفة في علم النفس والتحليل النفسي.

إنهم يزاحمون بجهلهم تخصصات طبية مهمة، وأكثر من ذلك يستعملون مفاهيم علمية معقدة ويقدمونها على أنها شيء بسيط جدا، مثل مفهوم التوازن العاطفي، والله يخالجني الضحك الا درجة الاشمئزاز.

بقولهم أن التوازن العاطفي يتم بلوغه بتميز بين الرغبات الضرورية والغير الضرورية، وذلك بكتابتها في ورقة ووضعها في مكان ما كباب الثلاجة للتذكير، آنذاك ستعلق بذهنك الرغبات المهمة وستدرك التوازن بنسيان الرغبات الأخرى التي تعكر صفو ذهنك، يا سلام على السهولة، والتوازن العاطفي لا يحققه أحد مهما حاول فهو مطمح وغاية لا ندركها فهو مرتبط بالسعادة الكاملة ولا يحققها الا الكامل أو الذي مسته نفحة روحية ما كبعض الصوفية، فكيف للإنسان عادي يدرك التوازن وهو في كل هنيهة يتصارع مع ذاته حول الرغبات والغرائز بين المقبول والمرفوض،تلك النصائح الكوتشية التي تقدم كل شيء سهل لا تبتغي الا استهداف بعض الدريهمات، وبما أن المغاربة يحبون التفاخر، فإخواننا المدربون المعتمدون الذين يحولون الكلخ إلى تفوق وتميز، يستغلون الجهل والفقر الفكري لخلق مهنة من لا مهنة له، وهذا هو الطنز العكري، لكن العناوين والأسماء الموظفة في الإشهار لطنزهم تسيل لعاب المؤسسات الخاصة وبعض الجمعيات التي أصلا اعتبرت التنمية الذاتية سوقا مهما لجني الدراهم، وتشارك في نشر فزاعة الكوتش.

نصائحهم غاية في الجمال تحس أنك أمريكي تعيش في المغرب الغربة، إذا كان ينتابك الغضب والملل ادخل إلى غرفة واقفل الباب واصدح بصوتك لإخراج الشحنات السلبية وستخرج مرتاحا، يا سلام روعة والجيل الخاوي والفقر والمخدرات، والطلاق، ووو…

اي نصيحة سنقدمها ام انهم سيصفون قويلبات طبية لتقوية المناعة النفسية، يرتدون أقنعة اللطف والابتسامة والكلام المعسول لكسب ثقة الآخرين ونيل تعاطفهم، من بعد معانقة جيوبهم بمصاريف غاية في الأناقة، هكذا هي مهامهم، المغاربة لا يحتاجون لتنمية ذاتية، كوريا الجنوبية، وسنغافورة واليابان.

لم تتقدم بالتنمية الذاتية، سئمنا من الزعت الخاوي، الأعطاب النفسية والإجتماعية تحتاج حلولا جذرية مجتمعيةلاداعي لترقيع،والأدهى من ذلك أنهم أضحوا يمارسون شعوذة جديدة بروح ولباس ومنطوق لغوي رفيع يروق السامع والناظر.

شعوذة تقدم حلول لمشاكل نفسية وفكرية قد يقف أمامها المختص في التحليل النفسي مذهولا، لذا كفانا من الهرطقات والشطحات التي تحاول اعتبار ان البنية العقلية النفسية والعاطفية لعبة أو مرتع لمراكمة الأرباح، لأن الصحة العقلية والنفسية تحضنها مؤسسات مختصة ولها من الخبرة سنوات طويلة، وتعي الخصوصية الإجتماعية والفكرية والتاريخة والروحية ،فتقدم إمكانيات الحلول وزرع بذور الأمل ليس بعرض فيديو لأنسان في وضعية صعبة وسار عالما أو رياضيا، بل عن طريق رسم السبل المؤسساتية التي تخول لأي مواطن من تطوير القدرات والكفاءات الخاصة والإنفتاح على التجارب العالمية الرائدة.

لذا لا مجال لإرتداء أقنعة الشعوذة المعاصرة وتلميعها وتطريتها بغلاف التنمية الذاتية لأنها ليست حلول جاهزة بل مشروع عام للمستقبل يساهم فيه كل الفاعلين والقطاعات من أجل بناء مستقبل مشرق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.