?>

عاملات النظافة.. جُنود مهمشة يعانون في صمت!

0

 

أجور متدنية، تحرش جنسي، انعدام أبسط الحقوق الإنسانية، تلك هي معاناة عاملات النظافة داخل سوق الشغل بالمغرب. نساء يستيقظن باكرا ليبدأن عملهن الشاق من غسل وكنس، وهذا كله مقابل مبلغ محتشم لا يتعدى 700 درهم كأجري شهري لا يكلفي لسد قوتهن اليومي.

غياب تقنين هذا المجال، أطلق العنان أمام المشغلين لممارسة الحيف والتهميش في حق عدد منهن، تجدهن في كل مكان محملات بعصا المكنسة ودلو لتنظيف دون أن يجدن من يسعفهن للخروج من هذا الوضع.

 مشغل هددها بالرحيل لمطالبتها بالضمان الاجتماعي

نعيمة الزعيم، سيدة أربعينية، متزوجة وأم لأربعة أبناء، تشتغل كعاملة نظافة في إحدى الشركات الخاصة بالعاصمة الاقتصادية. حين سألناها عن مدخولها الشهري تنهدت قبل أن تكشف لنا عن أجرها الذي لا يتعدى 600 درهم.

تحكي نعيمة وهو اسم مستعار، أنها التحقت بعملها الحالي منذ سنة 2001، وهي مدة لم يكلف خلالها المشغل نفسه عناء توفير الحماية القانونية لها، رغم أنها ظلت وفيه لشركته منذ ذلك الوقت، تشتغل بتفان وبدون توقف، في انتظار التفاتة منه ولو بسيطة للاعتراف بها، قبل أن تصطدم مؤخرا بقراره بعدما طالبته بحقها في الاستفادة من الضمان الاجتماعي إسوة بغيرها من الموظفات، ليخيرها بين البقاء أو الرحيل في حالة رفضها الامتثال لشروطه الخاصة.

ظلت نعيمة تقاسي سنوات، وهي نشتغل في وضع لا يليق بها كإنسانة،  حيث لا تغطية صحية ولا حماية قانونية ولا أجر تسد به قوت أطفالها الذين ينتظرونها يوما بأكمله  إلى حين عودتها إلي البيت.

في البداية، ترددت نعيمة في البوح بما تعانيه جراء الضغط الممارس عليها  خوفا من أن تُطرد من عملها، قبل أن تتشجع وتبوح بما يخاجلها من شعور مأساوي،  مستهلة كلامها بنبرة مؤثرة ” غير خليها على الله، احنا الدراوش ضايعين”. اغرورقت عيناها حين تذكرت شبابها الذي أفنته في عملها، وأنها ضحت بالكثير دون أن تستفيد من أية امتيازات تضمن لها العيش الكريم، موجهة اللوم إلى والدها الذي منعها من الدراسة وأنه سببا وراء ما آلت إليه.

مي فاطنة.. معاناة لا تنتهي

قصة أخرى لسيدة ستينية لا تختلف عن سابقتها، تعمل صباح مساء في مؤسسة عمومية بالبيضاء، حيث لا شيء يوحي بحقوق الإنسان أمام الحيف والتهميش الممارس عليها. ظلت تشغل مي فاطمة، بالمؤسسة المعنية منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي كعاملة نظافة، ورغم سنها إلى أنها ظلت مستمرة في عملها اليومي  بتفان، رغم هضم حقوقها على عدة مستويات، من بينها الأجر الذي لا يتعدى 500 درهم، فضلا عن عدم تمتعها بالتغطية الصحية أو الضمان الاجتماعي، وغيرها من الحقوق التي ظلت معلقة دون أي تدخل إنساني أو مبادرة من طرف القائمين على تلك المؤسسة.

أما خديجة.ن، عاملة نظافة في شركة خاصة في العاصمة الاقتصادية،  فتقول “إنها تعمل يوميا وبدون عقد عمل مع الشركة التي تشتغل معها بتفويض من شركة خاصة، وهي ظروف قهرت كاهلها خاصة وأن زوجها متقاعد دفعها إلى مزاولة هذه المهنة بعدما وجدت كل أبواب العمل مقفلة في وجهها. تقول خديحة.

وأفادت المتحدثة أن أهم أسباب الحركات الاحتجاجية التي يقومون بها عمال النظافة هي “الظروف الاجتماعية المتأزمة ، وعدم احترام الشركات الخاصة لدفتر التحملات، ورفع الأجور، وغيرها من المطالب”.

مفتش الشغل: شركات الوساطة تكرس الهشاشة وتتاجر في البشر !

كشف رئيس دائرة التفتيش بعين السبع الحي المحمدي، قاشا زين العابدين، عن ما أسماه بالمتاجرة في البشر داخل عدد من شركات الوساطة الخاصة بعاملات النظافة، والتي تقوم حسبه، باستعبادهن واستغلالهن في غياب أي عقد عمل، الأمر الذي يكرس بحسبه الهشاشة ويزيد من أزمتهن أمام قلة فرص الشغل، مشيرا إلى أن شركات التدبير المفوض بالبيضاء التي فُوت لها قطاع النظافة، لا تكلف نفسها عناء توفير الحماية القانونية للأجيرات، حيث تلجأ بحسبه إلى جلب اليد العامل عن طريق الوساطة، تهربا من تحمل المسؤولية المباشرة تجاههن، رغم أن شركات النظافة المعنية تقوم بتدبير القطاع بدفتر تحملات يلزمها بحمايتهن وضمان استقرارهن.

وقال زين العابدين، إنه يتوصل بشكايات عديدة في الموضوع، وبصفته مفتشا للشغل فإنه في الغالب ما يجد نفسه مجبرا على استعطاف المشغل لإبقاءه الأجيرة واستمرارها لديه، وذلك في غياب واضح لاحترام للقانون رغم فرضه من قبل المشرع، وهو أمر يرى زين العابدين أنه يتطلب تدخلا لوزارة التشغيل لتقنين هذا المجال عن طريق تخصيص لجن مراقبة وضخ دماء جديدة في صفوف المفتشين، خاصة أن عددهم لا يتعدى 200 مفتش على الصعيد الوطني، وهو ما يزيد الطين بلة أمام ضعف هيكلة التفتيش في حد ذاتها على حد تعبيره.

وحول موقف وزارة التشغيل من هذا الأمر، أفاد المتحدث أن الأخيرة رغم الدور المنوط بها والممثل في تشجيع الحوار الاجتماعي والاتفاقية الجماعية، إلا أن الوزير الحالي، عبد السلام الصديقي، قال إنه لم يستقبلهم  منذ مجيئه، وهو يفضل بحسبه إغلاق باب الحوار على أن يناقش المفتشين حول وضعية الأجراء خاصة المستضعفين منهم داخل سوق الشغل.

وأوضح المتحدث أنه أمام غياب تقنين مجال سوق الشغل، يضطر المفتش في الغالب الدفاع عن حقوق عاملات النظافة عن طريق المصالحة وتسوية النزاع ، ليتحول من مراقب إلى شخص يتوسل المشغلين تعاطفا معهن، مشيرا إلى أن 90 بالمائة من النزاعات يتم تسويتها عن طريق المفتشين رغم أن المصالحة ليست من اختصاصه، وهي نزاعات تتعلق في الغالب بفصلهن عن العمل.

هذا واعتبر زين العابدين أن ظاهرة الحيف والتهميش مسؤولية تتقاسمها أيضا الأجيرات اللاتي يفضلن الخنوع والاستكانة بدلا من الدفاع عن حقوقهن واتخاذ قرار حاسم تجاهها، تاركينها في يد القضاء والقدر

كما حمل مسؤولية تفشي الظاهرة إلى عقليات المشغلين قبل القانون أو المشرع، الذين لا يتوفرون بحسبه على روح المواطنة والتضامن، وأنهم يتعاملون بالمقابل مع عاملات النظافة على أنهن مجرد سلعة، رغم أن العمل يبقى وسيلة للتنمية كما تنص على ذلك ديباجة المدونة، والتي أكد خلالها المشرع على أن  ..

ليس بسلعة وإنما وسيلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما تنص المدونة على ألا يشتغل الإنسان في ظروف تحط من كرامته،  لكن للأسف نجد الواقع يقول عكس ذلك”.

لُطفي : وزير التشغيل يجتهد في الشعارات فقط ولا يُطبق مدونة الشغل

من جهته، أكد الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، علي لُطفي، أن الحيف الممارس على عاملات النظافة يوجد حتى في وزارة التشغيل، مستدلا بأجرهن الشهري الذي لا يصل الحد الأدنى الذي هو دون 2500 درهم.

وقال علي لطفي، إن وزارة التشغيل لا تحترم مقتضيات مدونة الشغل، بالنظر إلى أجور الحراس الأمنيين وعاملات النظافة بها، مستغلة إياهم  بحسبه عن طريق التدبير المفوض للشركات الخاصة، وهي ظاهرة بدأت تظهر خلال 15 سنة الأخيرة دون أن تكون هناك مراعاة لهذه الفئة التي تعاني الحيف والبؤس في أبشع صوره على حد تعبيره.

وهاجم الكاتب العام للنقابة، وزير التشغيل والشؤون اجتماعية، عبد السلام الصديقي، متهما إياه بالغياب كليا عن تطبيق قانون مدونة الشغل،  وأنه “بدلا من حمايته لهذه الشريحة من خلال فرضه نظام الترقية والتأمين الصحي وكذا التقاعد وعقود العمل على المؤسسات التي تشغل وتستغل تلك الفئة، نجده بالمقابل يجتهد في الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع” على حد قوله. وهو وضع يرى لُطفي مترديا ومتفشيا في عدد من القطاعات الوزارية بمن فيها قطاعي التعليم والصحة.

وعبر علي لطفي عن أسفه الشديد من الاستغلال البشع كما وصفه الذي تقوم به عدد من الشركات الخاصة والمؤسسات العمومية في حقهن، “بينهن شابات يتوفرن على مستوى جامعي، دفعتهن للأسف ظروف الفقر والهشاشة كرها لامتهان هذا المجال، دون أن يبادر المشغلين بتوفير عقود عمل لهن للاستفادة من امتيازاتها إسوة بباقي الموظفات كالضمان الاجتماعي أو الاستفادة من تعويضات ساعات العمل الإضافية وغيرها.. بالمقابل يجدن أنفسهن في الشارع بعد انتهاء مدة صلاحيتهن أو بعدما يمر على عملهن بالورشات أو تلك الشركات 6 أشهر، حينئذ يتم استبدالهن مباشرة  بنساء أخريات”.

وكشف الكاتب العام للمنظمة في حديثه مع “جورنال أنفو”، أن الأجر الهزيل الذي يتقاضَينه يتراوح ما بين 500 و 700 درهم في الشهر، علما أن أدنى الأجور كما تنص عليه مدونة الشغل دائما، لا تقل عن 2570 درهم، وهو ما تخالفه بحسبه عدد من المؤسسات والشركات بالمغرب، هذا  دون الحديث عن غياب وسائل الوقاية خاصة في صفوف عاملات النظافة بالمستشفيات نظرا لاحتكاكهن المباشر بالأمراض المعدية، الأمر الذي بات يشكل خطرا على سلامتهن في غياب التغطية الصحية والضمان الاجتماعي. أضف إلى ساعات العمل المحددة عادة في 8 ساعات حسب قانون الشغل، بالمقابل يرى لُطفي أن عددا من الأجيرات يشتغلن 12 ساعة دون تعويضهن عن ساعات الراحة .

وأمام الوضع المتردي الذي تعيشه هذه الفئة، بادرت المنظمة الديمقراطية للشغل في وقت سابق بالتدخل، من خلال وضعها تقرير في الموضوع، وتوجيهها رسالة إلى وزارة التشغيل لمطالبتها بضرورة تطبيق القانون، غير أن الوزارة لم تحمل نفسها بحسب، علي لطفي، عناء الرد والتفاعل معها.

خبير قانوني: الإخلال بمقتضيات المدونة يؤدي إلى عقوبات حتمية

قال المحامي، منير أبو العزائم، إن المشغل في القانون المغربي ملزم باحترام جميع الحقوق الخاصة بالأجيرات، وهي حقوق تتضمن الاستفادة من العطل السنوية، وتخصيص لهن الحد الأدنى للدخل الذي هو دون 2570درهم، زيادة على تعويضات الأمومة والتأمين والتغطية الصحية وغيرها، مشيرا إلى أن ضعف هيكلة التفتيش في المغرب أرخى بضلاله على وضع تلك الأجيرات، اللاتي يستكن إليه خوفا من طردهن من العمل وهربا من الفقر وقلة الحاجة.

وأفاد المحامي أن أي إخلال بتلك الحقوق، من شأنه أن يقود المشغل نحو عقوبات هو في غنى عنها، شريطة أن تتوفر لدى الأجيرة إثبات الشهود كحجة على عملها معه منذ سنوات.

وعبر المحامي عن أسفه الشديد من بعض المشغلين الذين يمارسون الحيف والظلم في حق عاملات النظافة بالأخص، ضاربين نصوص المدونة القانونية عرض الحائط في غياب التقنين الممنهج  ومراقبة مشددة على تلك الممارسات التي يراها بشعة ولا ترقى في عمقها إلى المستوى الإنساني حسب تعبيره.

وقال المحامي إن وزارة التشغيل كان لزاما عليها مراقبة ظروف عمل هذه الفئة على النحو الذي سيضمن لها مستقبلا تلك الحقوق، غير أن التقصير على مستوى أطر التفتيش حال دون ذلك في غياب الإمكانيات التي تعرقل سير عملهم، والممثلة في محدودية الموارد البشرية بالنسبة لمجال التفتيش، وهو مجال تتخلله مشاكل لا حدود لها. يقول المتحدث.

ويبقى وضع عاملات النظافة بالمغرب معلقا في غياب الحلول الاستعجالية من قبل القائمين على هذا الشأن لإنقاذ هذه الفئة من مخالب التهميش والظلم الذين تتعرض له باستمرار، وهي حلول لم تظهر مؤشراتها رغم تعالي أصوات الناشطات والفاعلات صراخاً واحتجاجاً على الوضع العام الذي تعيشه داخل سوق الشغل، مطالبة بالمساواة والإنصاف ورفع أشكال التمييز، موجهة أصابع الاتهام إلى كل الحكومات المتعاقبة في ظل عدم اتخاذها أي خطوة للحد من معاناة الأجيرات من مشاكل التحرش والأجر المحدود وما خفي كان أعظم.

جورنال أنفو – حكيمة مومني

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.