جورنال أنفو
جريدة رقمية مغربية متجددة على مدار الساعة

العلاقات بين الجيران.. “راسي أراسي”

 

جورنال أنفو – حكيمة مومني

 بين التجاهل والجفاء الذي أصبح يطبع العلاقات الاجتماعية بين الجيران في السنوات الأخيرة، تحول الجار إلى شخص مجهول، بعدما كان في وقت سابق أقرب إلى جاره من “حبل الوريد”، حين كانت بيوتهم مشتركة أساسها التعاون والتعاطف واحترام المشاعر وصلة الرحم، قبل أن تُصاب تلك العلاقة بحمى الإهمال والأنانية كالتي يراها المغاربة بين أغلب الجيران في وقتنا الحاضر.

  انطباع سيء، ذلك الذي يختزل مشاعر وأحاسيس أغلب المواطنين المغاربة  تجاه هذا الموضوع. ففي استطلاع للرأي أجراه موقع “جورنال أنفو”، تبين أنهم غير راضون عن علاقة الجوار التي لم تعد بحسبهم متسمة بنوع من التعاون والأخوة والتضحية في سبيل الجار كما كانت في السابق.

ولعل انشغال الناس بظروف عملهم اليومية، خاصة النساء اللاتي لم تعدن مستقرات في بيوتهن، سببا وراء تدهور تلك العلاقة حسب أحد المواطنين ، وذلك في وقت كن يتعاون بينهن ويتشاركن في كل شيء، كالطهي والمأكل والملبس وغيرها من الأشياء التي غابت مع تطور العصر الحديث على حد تعبيره. بينما من يرى آخرون أن الأنترنت واقتحام شبكات التواصل العنكبوتية داخل البيوت، حالت دون تحقيق ذلك التواصل الذي أصبح رقميا أكثر منه مباشرا، والممثل في تراجع صلة الرحم الذي أرخى بظلاله على العلاقة الإنسانية بين الجيران، لتصاب بنوع من الفتور والإهمال بعدما خُيم عليها العزلة على نحو واضح.

جار متوفى داخل شقته لمدة 3 أيام !

يتعلق الأمر برجل خمسيني، عُثر عليه من طرف السلطات الأمنية ميتا داخل شقته بشارع أنفا بالدار البيضاء. وبحسب أحد شهود عيان، فإن الهالك كان يعيش بمفرده، وأن عزلته لم تجد أية مبادرة من قبل أحد الجيران لزيارته على حد تعبيره.

هذا الحادث نزل على جيران الهالك كالصاعقة، خاصة بعد علمهم أنه متوفى داخل الشقة لمدة 3 أيام، قبل أن يستشعروا رائحة كريهة  دفعتهم إلى إشعار السلطات الأمنية، والتي حضرت إلى عين المكان رفقة الشرطة العلمية وعناصر من فرقة الوقاية المدنية، ليكتشفوا وجود جثة متحللة لرجل يبلغ من العمر 53 سنة.

وباتت حكايات جيران ماتوا في بيوتهم تتكرر بين الحين والآخر، بل ولم يُكتشف أمرهم إلا بعد أن انتشرت رائحة جثتهم دون علم أحد.

ومن الملاحظ حسب المتتبعين دائما، أن علاقة الجيران تختلف بحسب طبيعة التجمعات البشرية والانتماء الاجتماعي. ففي الأحياء الشعبية مثلا، يرون علاقة الجوار بها تتسم بنوع من التعاون والانسجام والأخوة، في حين أن التجاهل والجفاء فتطبع علاقة الجوار داخل المناطق سكنية الراقية، حيث تعيش كل أسرة بمعزل عن جيرانها.

الجار قبل الدار..

باتت مقولة “الجار قبل الدار” ضرباً من الماضي البعيد، لا يقف أحد عند مغزاها طويلاً. يجد البعض أن هناك اختلافاً بين جيران اليوم والجيران في السّابق، حيث كانت العلاقات مبنيّة على التكاتف والتكافل والمحبّة والوئام، عملاً بتلك الوصيّة الخالدة الّتي أوصى بها جبريل نبينا(ص) بالجار، ولم تكن كغيرها من الوصايا، بل فاقتها في الأهميّة بتلك الصّيغة الّتي بالغ فيها المصطفى(ص) بقوله: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه”.

وفي هذا الإطار، عبرت “مريم.ن” متزوجة وأم لطفلين، عن حزنها وأسفها الشديد إزاء هذا الموضوع، مشيرة إلى أنها واحدة من اللاتي يعانين من الحسد والضغينة من قبل أحد جيرانها، وهو تشنج دفع العلاقة إلى أن تتحول إلى شجار شبه يومي.

تحكي مريم، أن استقرارها وسعادتها إلى جانب زوجها، أثار غيرة بعض الجارات، خاصة أنها جديدة بالعمارة حيث تعيش داخل شقة كبيرة وفي ظروف ميسورة.

وأضافت المواطنة، أن الحسد  والعدوان، أضحى للأسف بديلا للأخوة والتعاون الذين كانا بين الجيران في وقت سابق،  فيحدث مثلا  “أن نُفاجأ بموت جار دون أن يشعر به أحد الجيران، وتمرّ عليه الأيام ميتاً، فلا تدل عليه إلا رائحة كريهة تنبعث من شقّته. كما لا تخلو بعض علاقات الجوار من الرّغبة في التجسس والاطّلاع على الأسرار والغيبة والنّميمة، حتّى أصبحت الجيرة الطيّبة شيئاً نادراً في هذه الأيام”.

في حين ترى، مليكة.ب، شابة ثلاثينية، بأن تدهور العلاقة بين الجيران، سببها بالأساس “خروج المرأة إلى العمل، وبأن انشغالها الدائم خلقا فتورا واضحا بينها وبين جاراتها”، مضيفة أن “صعوبة الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الناس كثيرا ما تشغلهم عن إقامة علاقات طيبة مع الجيران”.

وتستذكر مليكة طفولتها، وما كان فيها من علاقات دافئة مع جارات والدتها اللاتي كن يجتمعن يوميا لإعداد الأطعمة، وخاصة في العطل والمناسبات، قائلة أن المرأة الآن “ليس لديها وقت تمضيه مع جاراتها”.

“الساتيليت” و”الفايسبوك” قتلوا  صلة الرحم

كانت هذه عبارة أحد المعلقين على هذا الموضوع، والذين أبدوا انزعاجهم من تدهور العلاقة الاجتماعية الإنسانية التي كانت بين الجيران، قبل أن يمحوها عصر الأنترنت بعد أن أصبح كل شخص منعزل عن الآخر.

يقول أمين.س: “أتذكر أني كنت أشعر أن بيوت الجيران بيوتنا وأن أهلها هم أهلنا، كنت ألهو وألعب مع أبناءهم، كما كنا نعيش جوا عائليا بفضل الحب والاحترام والتعاون المتبادل بيننا، فكنا نجتمع معهم في جميع المناسبات كالأعياد مثلا، نتبادل التهاني ونصل الرحم فيما بيننا، وهو جو لازلت أحن إليه وأتمنى العودة إليه مجددا، ذلك أن علاقة الجوار في وقتنا الحالي لم يعد لها أي طعم، بعد أن طغت المصلحة وأصبح كل يلهث وراء مصلحته الشخصية”.

ليضيف قائلا : ” للأسف، أصبحت  العلاقة الإنسانية ا إرثا من الماضي الجميل الذي لم يعد له وجود، بسبب عالم “الساتليت” و”الفايسبوك”، كما ان النفوس لم تعد صافيه كما كانت من قبل، وسادت أعراف جديدة بين الجيران، منها التخوف والحذر من الجيران، ناهيك عن المشاكل و نيران الحسد والغيرة، حتى أصبح الكثير من الناس لا يكترث بحق العلاقة التي تنشأ بين الجيران، فأصبح الجار يتحاشى الخروج من بيته حين يعلم أن جاره يهم بالمغادرة، وحين يلتقيان لا يتبادلان التحية”.

محسن بنزاكور: أخبار الجرائم أفقدت الثقة بين الجيران

أضحت العلاقات الإنسانية بين الجيران في السنوات الأخيرة تعرف نوعا من الجفاء والتجاهل، ما السبب برأيكم؟

أولا، كل المجتمعات العربية أصبحت الآن تعرف هذا النوع من التغيير، سواء على مستوى التعايش أو العلاقات او على مستوى نمط القيم. فبالنسبة لمجتمعنا المغربي، نجد  أن العلاقات الإنسانية بين الأسر والجيران كانت في الماضي مبنية على تلك القيم، كالتي نراها  داخل المجتمع القروي والذي نلاحظه منصهرا ومتكتلا فيما بينه، وذلك بفعل حاجة أفراده إلى الغير أي في إطار التعاون والتعاطف.. إلخ، وهي علاقة انعكست في السنوات الماضية على مستوى العلاقات بين الجيران لتشمل أيضا المدن الحضرية، ولهذا كنا نراهم يتقاسمون كل شيء، كالاثاث، المأكل والمشرب والملبس أيضا، قبل أن تنمحي تقريبا تلك المودة والإنسانية بفعل عوامل كثيرة.

ما هي هذه العوامل؟

أولا التطور التكنولوجي الذي اقتحم بيوتنا، وهدم التواصل بين الجيران كما بين الأهل والأقارب، لدرجة أن صلة الرحم لم تعد كما كانت في الماضي بين الأسر، ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني اختصرت المسافة، وقربت المسافرين والمهاجرين من أهاليهم دون أن يكون لهذا التواصل أي طعم. أضف إلى ذلك القيم التي غيرت من السلوك الاجتماعي، وأقصد قيم الاستهلاك والفردانية، بمعنى أن الانسان اصبح لديه دخل وأجر خاص وبالتالي لم يعد يحس أنه في حاجة الى الغير، لذلك أصبحنا نرى الجيران منعزلين عن بعضهم البعض، في غياب المساعدة والتواصل الإنساني المفروض أن يكون بينهم، وهي أفكار وقناعات سلبية أثرت على علاقاتهم بشكل ملحوظ، بعدما أضحت نفعية و مصلحية بالدرجة الأولى، فاذا كانت المصلحة حضرت التحية وإلقاء السلام بينهم، وإذا غابت لن يبادر الجار بها، وهذا أمر منتشر ومتفشي داخل مجتمعنا للأسف.

لكن أليس ارتفاع منسوب الجرائم داخل مجتمعنا سبب وراء غياب التواصل أو الثقة بين الجيران كما كانت في الماضي؟

صحيح، ولعل وسائل الإعلام وتزكيتها للخوف من الغير سبب مباشر وراء تراجع تلك العلاقات أو الثقة كما أشرتي، في وقت كان الجيران يتركون مثلا أبناءهم لدى بعضهم البعض، دون أن يكون هناك شكوك أو هواجس من احتمال حدوث أي مكروه لفلذات أكبادهم،  والسبب أنهم كانوا يعرفون بعضهم جيدا بفعل الالتحام والانسجام التام، فكان الآخر بالنسبة إليهم معروف، في حين أصبح الآخر بالنسبة للجار هو إنسان مجهول. ومن الناحية النفسية،  فالإنسان بطبعه يحتاط من المجهول، وأنه لمجرد ما تبدأ المبادرة من الجار المجهول، يصبح مألوفا لدى غيره وبالتالي ينكسر الحاجز الذي كان عائقا للتواصل والانفتاح على الآخر.

أضف إلى ذلك  ما تنشره وسائل الإعلام كما سبق أن أشرت من جرائم بشعة والتي أصبحت تخيف المواطنين على نحو كبير،  كجريمة التشرميل، اغتصاب الأطفال، الاختطاف، القتل.. إلخ، وأمام هذه الجرائم، لم يعد المواطن بإمكانه وضع االثقة في غيره حتى لو تعلق الأمر بأخيه أوأحد أقربائه، وهي متغيرات كنا لابد أن نلمسها في سلوك المواطن إزاء الغير.

لكن ألم تكن الجرائم في الماضي كي لا تُؤثر على العلاقات بين الجيران آنذاك؟

لم تكن بالحدة التي أصبحت عليها الآن، كما أن وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، زادت من حدة انتشار الأخبار المخيفة، في حين لم تكن مثل هذه الوسائل المتطورة موجودة في ذلك الوقت. بمعنى لم يكن الحذر في العلاقة بين الجيران لسبب بسيط، وهو طبيعة العمل المشترك، حتى أن الاحتفال بالعرس، كان يتم على نحو  تجمعات، فكنت تجدين الجار مثلا يحتفل بزفاف ابنته مع جيرانه لمدة لا تقل عن 3 أيام، الآن إذا احتفل بالزفاف أو بأية مناسبة طيلة تلك المدة، سيشتكون به الجيران لدى المصالح الأمنية بتهمة الإزعاج.

هل يمكن القول إن العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الجيران في الطريق نحو الانقراض؟

في الحقيقة يمكن أن يحدث ذلك في ظل العوامل السالفة الذكر، لكن تبقى هناك استثناءات داخل مجتمعنا، ولا أدل على ذلك من الأحياء الشعبية في عدد من المدن التي لا زالت علاقة الجوار بها  تتسم بنوع من المتانة والعفوية، بل وتستمر لمدة طويلة، حيث يصبح للجار ا خلالهحقوق من الواجب أداؤها حتى لايتصدع صرح هده العلاقة الإنسانية. كما هو الشأن بالنسبة للعالم القروي، وهي قيم أتمنى حقيقة ألا تصاب بحمى الجفاء كما أصابت الآخرين.

 * أستاذ علم النفس الاجتماعي

تعليقات
تحميل...