جورنال أنفو
جريدة رقمية مغربية متجددة على مدار الساعة

من يريد تصويرنا للعالم أننا مجرد متسولين مغتصبين وقتلة وخونة…؟

بقلم : ذ .خالد أخازي

كيف حولت السياسات الفاشلة والتدابير العبثية وإعلام الإثارة والتفاهة، وتسلط المال على الصحافة، ورشى متنوعة تحت يافطة الدعم، المجتمع المغربي إلى مجرد جماعة من الانتهازيين والفاشلين والمكبوتين والضائعين والمجرمين والعاقين والمتخلفين والمرضى وقطاع الطرق..؟

كيف أصبحت هذه العناوين شأنا عاما، وقضايا شهية تخترق البيوت وتربك دور المؤسسات التربوية، مع تحول المعلم بمفهومه الرسالي إلى مجرد طماع… بخيل… وغدا لقب الأستاذ مشاعا ينادى به من دب وهب… كأن كل عابر أستاذ وكل مجهول الهوية والمهنة أستاذ..
هذه العناوين… التي يتم التطبيع معها يوميا بالصورة والخطاب والسيناريوهات المحبوكة هي:
الخيانة الزوجية… القتل… الدعارة… تجارة المؤخرات… سلطة السيوف…. العربدة… الغش… التنافس على التفاهة… الجنس… العري الحضاري…
تلك هي الصورة القاتمة التي يصبح ويمسي عليها المغاربة…
خيانات زوجية… وكاميرات تحل مع حلول البوليس..
ونساء يعرضن الفضيحة كأن الأمر فتح…والمصيبة أنها قمة الانحطاط…وضرب لكل هوية وترسيخ لعدم الثقة وتعنيف للأمن الاجتماعي..
طرد الأبناء للآباء… تقتل الأمهات…. تغتصب الأخوات… وزنا المحارم يتم تقديمه كخبر سبق… يجرح المغاربة في كبريائهم… لكن هكذا يصنعون جيلا مخربا…مريضا… وغدا بلا ملامح ولا هوية…
الأسرة تقدم كأنها مشتل لكل المصائب…
والآباء والأمهات ينتفضون أمام الكاميرات وشبه الإعلاميين يفجرون فيهم كل الغضب… ويخرجون منهم كل الوجع… ومع الوجع تسقط القيم والأمومة والأبوة… ويتم تسليع العلائق الأسرية
فتيات ونساء يقتتن من التحايل البونوغرافي بعرض مؤخراتهن.. بمشاركة أزواج لا حول ولا قوة لهم… أو يتحولون باحتيال إعلامي لغوي موجه إلى أبطال متحررين…

ما هكذا الحداثة…
هناك بون شاسع بين التحرر والتفسخ..
إنهم ينشرون التفسخ باسم التحرر…
كامرأة قيل لها أنت حرة فنزعت ملابسها..
شباب تقتات من هبله وأميته وفقره مواقع التفاهة لترفع نسب المشاهدة…
شباب أحمق… مجنون… قاتل… مغتصب… يغدو شخصية مركزية في التتفيه الإعلامي…
وصحافيون يلعنون الكل … يغضبون فقط لأن أحدهم كتب تدوينة قد لا نتفق معه… لكن صناعة “الوطنانية” الاصطفاف الرخيص لغة وخطابا وغضبا… لا يصنع موقفا… بل يصنع حقدا… والأوطان لا تبنى بالأحقاد ولا بشيطنة الآخر مهما اختلف معها.. مهما بدا لكل جاهلا أميا… هو الآخر تقتسم معه الوطن… ولست أحرص منه على الوطن….

ماذا يقع..؟
شباب لا يجد حرجا في الاعتراف بممارسته دعارة الذكور…و الجامعة نفسها غدت محط شك في مصداقيتها… سامح الله بعض الأساتذة الجامعيين…
ماذا يقع…؟
كأننا لم نعد في المغرب الذي نعرفه…
أنهم يحطمونه بعدما تقاسموه غنيمة وفيءً
إنهم ينهالون بمعاول التفاهة على الرموز التاريخية…
يشككون في كل شيء…حتى لا يبقى شيء..
كأن كل شيء انهار في رمشة عين… كم صرنا تافهين… أيكون الأمر مجرد صدفة..؟
فالمرجعيات في الإبداع تصنع وتجند لها الأقلام.. وفق ذائقة سطحية…
أفرغوا الكتابة من الموقف والرؤية والقضية… كشرط لدخول نادي الكبار… بعدما تحكموا في صناعة الكتاب… استعبدوا الكتاب والمفكرين…
أين المفكرون…. أين الشعراء…. أين الروائيون… أين القاصون…؟
الجار يجهز على جاره فيقتله…
الزوجة تخون زوجها والكاميرات تنقل لنا كل البؤس والجنون… صارت الفضيحة عنوان سبق صحفي وصار الحوار مع أطراف الفضيحة جنسا إعلاميا مطلوبا..
الزوج يتم ضبطه في سرير زوجته.. مع امرأة أخرى.. والصحافة أول من يشهد على وجود المرود في المكحل…وزوجته وأطفاله يحاصرونه وكل المغاربة يتابعون… والكاميرا تريد جملة صورة خارج المألوف
الكلمة أعطيت لكل عابر ليخلخل قيمنا وثقتنا في أنفسنا… الميكرفون دلو قيء لكل سكير… ولكل عربيد… ولكل أحمق على الطريق..
لم تعد الجريمة مجرد حدث طارئ…
الجريمة غدت قتلا جماعيا…
الجريمة غدت أسلوب جيل…
الجريمة غدت فوبيا جماعية…
المغارية…. خائفون…
يتم التطبيع مع صراع وحرب الشوارع… يصير العنف فرجة… والخبل متعة… والشطط لذة..
التحديات التافهة تتناسل كالفطر… واللغة التي تصنع الجريمة والدعارة والانحراف خطاب يومي يتم ترويجه بحماس وتنافس غريب…
هل هذا طبيعي…؟
هل “حَيْوَنة” المغاربة ظاهرة عادية أم وراء الأكمة ما وراءها؟
والمصيبة الكبرى…أننا فقدنا كمغاربة مثلنا الأعلى ” تموت الحرة ولا تأكل بثديها”
أين تلاشى في القلوب والذاكرة والوجدان الجمعي المثل المغربي الجاري” تعش بالتبن ودهن فمك بالسمن”
لقد نزعوا منا رأسمالنا الغالي: الكرامة وعزة النفس…؟
متى كان المغربي يرضى أن يشهر فقره أو مرضه..؟
لم يكتفوا بنهب الثروات واستنزافنا… بل أخذوا منا حتى الحياء والكبرياء..
لم يكتفوا بتفقيرنا وتحويلنا إلى رق جديد للمؤسسات البنكية والمقرضة وللخوف والرهاب الجماعي بل حولونا إلى مخنثين وجبناء…
كاميراتهم… مواقعهم…. عازمون على أداء الوظيفة التاريخية…
كتائبهم تحتل كل مكان… وتقدم لها المنابر والمواقع
فقط عليهم أن يحولونا الى مجرد قطيع…
بلا ذرة كرامة ولا إباء…
بناتنا يردن حياة مايا… مايا التي دافع عنها من نعرف سبب دفاعه…
لم ننتقد مايا الراقصة يوما ما… انتقدنا مايا المنظرة و المفكرة… ما يا البحر والبلاتو…
من لا تريد أن تكون مايا الراقصة، وتنتقل بين العواصم… و تتسابق نحوها المواقع… لتتحدث عن الحقد والغيرة… والرقص والثقافة… والشمبانيا والصلافة..؟
مصيبة… لقد حولونا في نظر العالم إلى مجرد حمقى وعاهرات ومرضى ومتسولين وعاقين وقتلة…
فما إن تفتح عينيك صباحا حتى تتهاطل عليك كالرصاص القاتل للكرامة فيديوهات… طلب المساعدة… طلب الدواء
.. طلب السكن…. طلب… طلب..
الكل غدا متسولا…
الفنان لا يجد مسكنا ويموت في غرفة مظلمة أو تنخره الشيخوخة وسط الجحود والفقر…
الفنان… لا يجد الدواء ولا سريرا في المستشفى ويموت و آخر ظهور له للمغاربة… يرفع الستار عن مسرح حياته… حيث الوجع والألم والعوز والوحدة والعزلة… يموت… وهو يستعطف….
الفنان… يكون كبيرا مدة من الزمن… ثم فجأة يتركوه للحاجة والفاقة والمرض…
تمنيت أن يظل الفنان أو الفنانة كبيرين… يموتان في غرفة متهالكة… ويتركان لنا رصيدهما الجميل… دون الحاجة لطلب شقة..
الفنانون يموتون فقراء… قد يموتون على الأرصفة…
الفنان يموت على سريره البارد أو على سرير عفن بين الشعب… ولا يستجدي أحدا… يموت ويترك كنزه… فنه وكبرياءه..
فكيف حولونا في نظر العالم جماعة من المتسولات والمتسولين…؟
كيف حولونا إلى مجرد مغتصبين للأطفال ومدمنين زنا المحارم والمعاقات… بمجرد أنهم قادرون بكاميراتهم أن يكونوا قبل الكل لحظة الفضيحة..؟
كيف شوهوا أبطالنا…. مسخوا تاريخنا القريب…ودفعوا بهم إلى الشكوى … ليقتلوا النموذج ويبددوا الصورة الجميلة..؟
الرياضي… الذي داعب الكرة قبل زمن عقود الخليج وأوروبا والصين والمريخ… يشكو المرض والنكران والعزلة والفقر…
الرياضي يموت في قمة العوز… ولا يستجدي أحدا… يظل بين محبيه من الشعب ويموت بينهم..
الكتابة لا تصنع أغنياء… والكاتب الذي لا يبيع غير العشرات من النسخ… لا يقبل الجوائز…
الكتابة لا تشتري سكنا ولا سيارة.. والكاتب الذي يحلق بعيدا قبض الثمن ..
يستغلون ضعف المبدع أحيانا ليحولوه إلى مجرد عامل فكري في سلسلة الإنتاج المجتمعي… يؤدي الثمن بأن يروج لأدب تافه، أو يهرب إلى التاريخ و الأسطورة أو الخيال اللاعلمي…
مسخوا صورة سعيد عويطة الجميلة في عقولنا.. هكذا ظنوا…
شيطنوا الأساتذة المتعاقدين… وخلطوا السم بالعسل… في مقالاتهم…
لا يريدون أن تظل لنا مراجع ورموزا.. ولا تاريخ نفخر به…
اخترقوا حياة الأيقونة عويطة…. حاولوا ضرب رمزيته بتحويله إلى عاق… ثم صاروا جزءا من حياته الزوجية…؟
ولاحقوه حتى المحاكم…
ماذا فعل عويطة…؟ ما زلت أنتظر الإجابة
هل الأمر مجرد إعلام متحمس…. أم استراتيجية لمسخ الرموز والقذوات… وتعويضها بنزار وندى حسى ومايا… والملوكي…مي نعيمة… وروتيني يومي
ماذا وقع…؟
كأننا صرنا جميعا في وطن بلا معالم…
في بلد بلا تاريخ ولا قيم…
هل الأمر مجرد صدفة..؟
كان الناس يعيشون بالجبال والمناطق النائية يدبرون حياتهم كما تعلموا من الآباء والأجداد… لهم ألفة مع الطبيعة… تعرفهم ويعرفونها… يتألمون… يجوعون… لكن لا يشتكون… يموتون بكبرياء وعزة نفس…
• كيف حولتهم الكاميرات إلى كائنات تشكو الجوع والعوز…؟
الراقصات الهاويات يردن فرصة لإظهار مفاتنهن و التفوق على مايا المرجع الفني الذي صنعوه..
لكل حاجته…
هناك فقط من يحتاج…
إلى تهنئة بعيد ميلاد
وهناك فقط من يدعوك أن تبارك لفتاة حفظت القرآن لأنها لم تنل ما نالته ذوات المؤخرات من اهتمام…
هناك فقط من يحتاج إلى كرسي متحرك… أو أنبوبة أكسجين أو نوع من الدم النادر…
هناك من يحتاج إلى رفع مؤشر المتابعات… أحمق… عاهرة… أو قواد… أو سفاح متقاعد…
الكل غدا متسولا…
هل السوسيا ميديا عرت عورتنا وأعطابنا… أم أن هناك من يخطط لإفراغ المغاربة من صبيب الكرامة والكبرياء وتحويلهم إلى مجرد قطيع من الطلابة…؟
هل هناك تدبير لمسخ الرموز وصناعة رموز جديدة.. منحلة … تافهة… حمقاء…؟
المصيبة أننا فعلا حولونا شعبا متسولا… لا يخجل من طلب الصدقة… لأننا صرنا أكثر فقرا ولم يتبق لنا ما يضمن الكفاف… ولأن إعلامهم ساومنا في الكبرياء مقابل العطاء…
والله مصيبة …
أين هم وكاميراتهم وحقيقتهم ولغتهم الشفافة مما يقع من قهر وإسالة الدماء و سحل الأساتذة والتحرش بالأستاذات..؟
هم فقط هناك… وهناك… صنعوا للتبرير… والتخليل والتطبيل…. وقتل الأمل… وتشويه كل حراك اجتماعي… وشيطنة كل دينامية مجتمعية… لنالوا هم وهم شرف الوطنية… والوطنية أكبر بكثير من التظاهر بالغضب حبا في الوطن… الوطن أكبر من الجلادين الجدد… بالكلمة والصورة..
أين هما الآن… ؟

تعليقات
تحميل...
Journalinfo

مجانى
عرض