جورنال أنفو جريدة إلكترونية

” الحاج غلف”.. قصة رجل فقير حولته الصدفة إلى أشهر اسم في المغرب

0

 

بشرى بلعابد

منذ عشرات السنين، ظل الحاج غلف الذي أُطلق اسمه لاحقا على سوق “درب غلف” مجهولا، رغم شهرة هذا السوق الذي اكتسح صيته عالميا.

فإذا أردت أن تبحث عن قصة هذا الرجل، فلن تجد بين تجار السوق أو حتى بين أبناء حي درب غلف المجاور له من يوفيك بمعطيات عنه، فالجميع يجهل من هو، ولا أحد يمكنه أن يدلك على هويته.

“جورنال أنفو” استطاعت أن تكشف أسرارا مثيرة عن قصة هذه الشخصية الغامضة، وأن تسبر أغوارها التاريخية بعد أن حاورت أحد المقربين منه الذين عاصروه في الحقبة الزمنية التي عاشها “الحاج غلف” كما كانوا يلقبونه.

نوستالجيا..

في قلب حي درب غلف بالعاصمة الاقتصادية،  وجدنا مكتب “الحاج غلف” الذي أُطلق اسمه لاحقا على أشهر سوق في تاريخ المغرب، كما صادفنا منزله بمحاذاة العرصة المتواجدة في نفس الحي.

لم يتبق من نسله سوى أحفاده.. يُقال إنهم هاجروا إلى كندا منذ سنوات خلت، أما المنزل فهو عبارة عن “فيلا” صغيرة، يعيش فيها مجموعة من المكترين.. هم أحفاد العبيد الذين كانوا يخدمون “الحاج غلف” في ذلك الوقت.

كان من الصعب العثور على معطيات تكشف هوية هذا الرجل، فالمقربين منه أغلبهم توفوا، أما أحفاده فرحلوا عن أرض الوطن واختاروا كندا لأسباب مجهولة موطنا لهم .

قادتنا جمعية أمل – درب غلف- إلى محل رجل مسن يدعى الحاج الحافيظي، وهو من مواليد سنة 1920، كان أحد أصدقاء “الحاج غلف” والمقربين منه،  بل وكان شاهد عيان لكل الأحداث التي عرفتها مدينة الدار البيضاء إبان الاحتلال الفرنسي.

يحكي الحاج الحافيظي قصة غلف قائلا: ” كان رجلا فقيرا، يعمل عند مواطن إسباني في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وذلك في محل خاص بصناعة سروج الخيل، كان مقره بشارع عبد المومن بالبيضاء بالقرب من درب غلف حاليا..

من مغلف سراج الخيول إلى أشهر مقاول في المنطقة

كان الحاج غلف حرفيا متخصصا في ذلك، حيث يقوم بتغليف سرج الخيل و تبطينه بالجلد البقري، وهي إحدى الصناعات التقليدية القديمة التي كانت محط اهتمام المغاربة كثيرا في ذلك الوقت”.

أصل تسمية غلف تعود إذن إلى امتهانه حرفة التغليف، وهي حرفة اشتهر بها..، يضيف المتحدث قائلا : “أتذكر أن الاسباني صاحب المحل كان كلما دخل عليه إلا وأمره بالقول “غلف”، ومنذ ذلك الحين، بدأ يطلق عليه الجميع بالحاج غلف”.

الاسم الحقيقي لهذا الرجل، ظل مبهما منذ أن اشتهر بتلك السمية، إلا أن الحاج الحافيظي كشف لـ “جورنال أنفو” عن اسمه الأصلي، وهو الحاج “المكي”.

 

يحكي هذا الشيخ أن “المكي” أو “غلف” كما يحلو للبيضاويين آنذاك تسميته ، يسكن في المحل حيث اشتغل وعاش فيه لسنوات قبل أن يغتني ويصبح أشهر مقاول في المنطقة.

كان درب غلف خلال فترة الحماية الفرنسية،  عبارة عن أرض خلاء خاضعة للمعمر، شأنها في ذلك شأن باقي الأراضي بالدار البيضاء،  فلم يكن لأي أحد الحق التصرف فيها.

ولأن “الحاج غلف” كان من الأعيان الموالين للنظام الفرنسي في ذلك الوقت بحسب ما جاء على لسان المتحدث، فإن هاته الصفة ساعدته على التصرف في تلك الأراضي وضمها إليه.

قصة استثماره، بدأت لأول مرة حين اشتكى لمستخدمه الإسباني عن تخوفه من اللصوص وقطاع الطرق بسبب بقاءه وحيدا في المحل الذي يشتغل ويقيم فيه، فاقترح عليه صاحب المحل أن يبيع كل شبر من الأراضي للراغبين في شراءها وذلك بغية استقطاب السكان إلى الحي، فظل “غلف” يستثمر  في هذا المجال إلى أن اغتنى بالصدفة من هاته الحرفة التي سيدخل بفضلها إلى عالم الثراء من بابه الواسع.

استطاع الحاج غلف أن يشتري فيلا بشارع مولاي يوسف، حيث أقيم هناك إلى جانب زوجته وأبناءه، وفي نفس الوقت كان يتردد على مكتبه بحي درب غلف والذي لازال مقره موجودا إلى حدود الساعة.

لم يكن رغم الثراء الذي وصل إليه “غلف” يتوفر على شهادة الملكية بحسب الحاج الحافيظي، وذلك في غياب القانون المفروض أن يحمي حقوق وممتلكات الدولة إبان الاستعمار الفرنسي.

الزموري وقصة علاقته بالحاج غلف..

أما شمعاوي العربي وهو شاهد عيان ايضا ويبلغ من العمر 90 سنة، فكشف عن العلاقة التي تربط الحاج غلف بالحاج الزموري، وهو الاسم الذي أُطلق على شارع عبد الرحمان الزموري الذي يربط بين شارع المعدن المشهور بالزاوية حيث تباع اللحوم، وبين المعاريف.

قال إن الزموري كان عضوا في المجلس الوطني الاستشاري بعمالة الدار البيضاء خلال سنوات الأربعينيات من القرن الماضي، وبعد أن توفي والد “غلف” تزوجها الزموري وأنجب منها أبناء آخرين، ليتحول بذلك حي درب غلف آنذاك إلى ملكية مشتركة بين عائلة غلف وعائلة الزموري.

وأضاف المتحدث، أن الحاج غلف هو من كان يعطي الموافقة والترخيص إلى الراغبين في شراء بقعة أرضية أو بيعها ، وهو بذلك اغتنى ليصبح من أكثر سكان مدينة الدار البيضاء ثراء في ذلك ، ” كان ثريا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فأولاد غلف كنا نراهم  يمرون في الحي وبجانبهم العبيد وكأنهم ملوكا”، ولعل ذلك من الأسباب المباشرة التي جعلت منه اسما أكثر شهرا في المغرب .

توفي الحاج غلف في بداية الخمسينيات من القرن الماضي حسب ذات المتحدث، وهي سنة لم يتذكر تاريخها بالتحديد.

درب غلف..  مركز العباقرة  

حين توصلك حافلات النقل إلى القرب من السوق، وتلفحك رائحة الشواء الشهية المنبعثة من المكان، لا شيء ينبئ بوجود عالم غريب من التكنولوجيا في الداخل. لا شيء يشي بأن خلف هذه الأكواخ القصديرية يختبئ جبل كبير من أحدث منتوجات التكنولوجيا العالية الدقة، ولا شيء أيضاً يدفعك إلى الاعتقاد بأنك في مواجهة أكبر سوق للقرصنة في العالم.

 

عبر أزقة سوق “درب غلف” شبان منهمكون في تلبية طلبات إصلاح الهواتف وآخرون يجيبون عن أسئلة زبائن لمعرفة الجديد في عالم تشفير أجهزة التقاط الفضائيات. خلايا من العمال يتجاوز عددها ثلاثة آلاف عامل بتخصصات مختلفة يتوزعون على عدد من المحال لبيع الهواتف النقالة وأجهزة التقاط القنوات الفضائية وفك شفرات كل شيء.

تبدو الأكواخ مهترئة من الخارج، لكن خلف واجهاتها يقبع “عباقرة” تفوقوا في أكثر من مناسبة على مهندسي المعلومات في أشهر الشركات العالمية، وكلما توغلت في الأزقة الضيقة، كلما ازدادت المفاجأة.

وبالرغم من أن أغلب الشبان الممارسين فيه عاطلون عن العمل، بينهم مهندسون بشهادات عليا، إلا أن البطالة دفعتهم إلى اختيار مهنة “الهاكرز” والتشفير ويقدمون خدماتهم لزبنائهم بأثمان بخسة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.