جورنال أنفو
جريدة رقمية مغربية متجددة على مدار الساعة

عيد الحب المغربي

 

بقلم الأستاذ : رشيد بونويجم

لا خلاف أن عيد الحب أثار العديد من الجدالات من مدافع إلى منتقد إلى متهم بتقليد الأعمى أو بالأحرى تبعية للنصارى واليهود، وهناك من يعتبره احتفاءا بالزنى بدعوى أن قسا زنى بفتاة وحكم عليه بالإعدام، وعوض الحزن أعلن يوم موته احتفاء بالحب..

قصص وأخرى تروى، لكن لا دليل يتبث صدقية المحكيات التي تؤرخ لعيد الحب من أجل إرساء شرعيته وتحميله معنى أجمل ليروق الكل، لكنه لحظة هامة لإعادة النظر في ما القصد بالحب؟

هل هو نداء الغريزة وشكل من تعابير تلبيتها كممارسة الجنس؟ أم هو قيمة أخلاقية من أروع القيم؟

فعوض أن نتهم الشباب بالفسق والخروج عن الملة، وجب أن يسائل الكل ذواتهم هل كلفنا أنفسنا لخلق أواصر التواصل حول مفهوم الحب، ويأتينا هنا قول إبن سينا:الحب جوهر القيم والموجود وبدونه تموت العلائق. هذا خير دليل يؤكد أن الحب ما هو إلا شعور سيكولوجي نحو الغير بتعدد أصنافه،أم، أب أخ، صديق، حبيب…،يتسم بتجسيد الإحترام وتقديم التقدير.. إنهما عنصرين يشكلان حفظ الكرامة للمتحابين، هنا يكون الحب بمثابة إحساس راقي يمثل صلب القيم الإنسانية، ولاعلاقة له بالجنس أو بالغرائز، لكن في بعض تجلياته هناك من يصر على تقزيم الحب وحصره في العلاقات الجنسية ضاربا عرض الحائط غايته النبيلة في التعبير عن قيمة الجمال الروحي، فالتجارب الإنسانية قدمت لنا روميو وجوليت وكذا قيس وليلا، والحب على باخرة التيتانيك، لكن أغفلت عجلات الإعلام والإنتاج الثقافي التركيز على حب الإنسان لخالقه، حب الأم لبنيها، وحب الأبناء للأم، وحب المواطن لبلده، وحب المنفي للعودة، وحب الفلاح لأرضه… ،كلها تعابير عن الحب وأشكال للمحبة.. لذا سأنقلكم معي من التجريد النظري إلى العالم الواقعي في قصة طريفة عن الحب أو عن عظمة الحب، وهو بين محب ومحبوبته.

في زمن الإستعمار الفرنسي للمغرب، كان هناك جندي مغربي شارك في الحرب ضد ألمانيا دفاعا عن فرنسا، وإذا به بعد انتهاء الحرب وحان وقت العودة، خرج في وقت الفجر يتمشى وفي طريق العودة ولج إلى مخبز من أجل اقتناء بعض الخبز، فلمح فتاة في العشرينات من عمرها تسأله عن مايريد، فصطدم فبقى محملقا فيها لا يحرك ساكنا، يروي “با علال” مبتسما قائلا: بقيت لثواني ساكنا كالتمثال، فضحكت كثيرا على ما وقع لي، فلملمت همتي وعدت إلى المخبز داخلا وإذا بها تبتسم من جديد وأنا لا أقوى على قول شيء تجمد لساني لكن قلبي يطير من الفرح لضحكتها، فقالت لي، ماذا تريد؟ . قلت لها إبتسامتك، فقالت:ليست للبيع، فقلت :لها رغيفين للخبز، وخرجت، وعدت للمخبز مرات ومرات لكني لا أقوى على قول شيء لها، فتقاليدنا وأخلاقنا جعلتني مكبل مع نفسي، وفي خلوتي قد أقول شعرا فرنسيا ولكن في حضرتها أسير كالمعاق صم بكم.

انتبهت إلى نظراتي في أحد الأيام، وكان صبح بارد يوحي بسقوط الثلج، ففرحت كثيرا وعند اقتناء لخبز الصباح، وأنا خارج كالعادة، نادتني، قائلة:  “يا سيدي انتظرني لدقيقة”..، فغمرتني رعشة لم أحسها قط في حياتي، فخرجت عندي، فقالت أنت لست بحاجة لهذا الكم من الخبز؟ صحيح لماذا ترمقني بتلك النظرات هل هناك شيئا ما أساعدك فيه؟ قلت لها لا شيئ، أما الخبز فقد وقعت في غرامه، ورحت أقفز من شدة الفرح لأنها كلمتني وإذا بي إنزلقت في الشارع، فلمحتني من الزجاج، وضحكت ضحكا شديدا، جمعت قوتي وهمتي وذهبت للمنزل من أجل وجبة الفطور، فقلت في نفسي كيف أقنعها وأعبر لها عن حبي وعشقي لها؟ عشت دوخة فكرية وعاطفية، فقررت في صباح يوم الغد أن أبوح بما يخالجني ولا يهمني ما سيحدث، فقصدت المخبز متأنقا أحمل خاتما من ذهب وبعض الهدايا، أما الحلوى سأشتريها من عند المحبوبة وسأهديها لها، وصلت فنظرت إليها بابتسامة، ومن حسن حظي وجدت المخبز ممتلئا، فقلت للجميع أستسمحكم عذرا، إني شخص محب ولهان عاشق لاينام، أحبها ولن أحب غيرها ما حييت، هي أجمل النساء، والله أعشق ابتسامتها، وحتى إن رفضت حبي، سأظل أحبها، منذ أن رأيتها أصبحت لا أملك قلبا، لأنه هاجر إليها وتركني بدون قلب، ميت وحي في نفس الآن.. عندما تبتسم، أريد أضعها بجانب بؤبؤ عيني، إنها جوليا جوليا نعم أحبكي، وهذا خاتمي، فقدمت لها الخاتم والدمع يداعب عيوني، فابتسمت تلك الإبتسامة التي تسحرني، وقبلت زواجي لأنها أحبت ابتسامتي، ضحكت، ومرة الأيام وانتقلنا للعيش إلى المغرب ولدينا ستة أبناء ذكور كلهم يشتغلون في دول أوربية مختلفة، وجوليا تثقن الدارجة والشلحة وتعشق الثقافة المغربية، هكذا أنهى “باعلال” قصته بدمعة الفرح، قائلا :” والله أحبها كأن ما حكيت وقع البارحة”.. باعلال تزوجها وعمره يقارب 84سنة ولازال يعشق ويحب بكل إحترام ورقي وتحضر.

نال مني الفرح لإني صادفت في زمن اللامعنى من يعيد فينا الأمل بأن الحب حي لايموت سواء في عيده أو في كل الأيام. باعلال ذاكرة اعتراف لا تموت إنه مفخرة أخلاقية وتاريخية بامتياز.

تعليقات
تحميل...