جورنال أنفو
جريدة رقمية مغربية متجددة على مدار الساعة

في متاهة التعاقد  

 

 بقلم الأستاذ : رشيد بونويجم

 

من البديهي داخل مجتمع لازال في بدايات طور النمو، كما يحلو لممثلي الإتحاد الأوروبي تسميته، أما أنا فأزيل مواد التطرية والمكياج لكي أقول إن مجتمعنا المغرب الحبيب يعيش حالة التخلف التاريخي والفكري والحضاري.. وتجليات التخلف تلوح من خلال الدولة ومشاريعها وسياساتها وطرق تدبير الشأن العام ومدخلات البرامج السياسية العامة والقطاعية، قريبة المدى وبعيدة المدى، ومن أبرز وأخطر السمات هي الإرتجالية السياسية التي تقدم  حلول ترقيعية لا معنى لها ولا دور، وإن تأملنا ما يجري في الزمن الراهن سنلحظ مجموعة من الإشكالات، وسأدرج نموجا فاضحا صارخا، وهو نموذخ العمل بالتعاقد في التعليم أو بالأحرى قضية الأساتذة التعاقد التي أضحت من القضايا الوطنية الأكثر جذبا لرأي العام

لايكون خفيا عليك أيها القارئ الكريم أن فكرة ومشروع التعاقد مشروع قديم وجرب في العديد من الدول وأغلبها تجارب فاشلة ومتأزمة وأفرزت نتائج كارثية لا على المدرسين ولا على النظام التعليمي، ولا على ميزانية الإنفاق، مثال ذلك تجربة فرنسا والسويد والهند والسنغال وتونس ومصر…، كلها تجارب لم يلتفت إليها صناع القرار المغربي المشرفين على المجلس الأعلى للتعليم.. ألا يعلمون أنه من شروط رفع المردودية الإستقرار النفسي والإجتماعي للمدرس؟، كيف يمكن للمدرس أن يكد في عمله وهو ينتظر ماذا سيكون القرار في نهاية السنة، هل سيكمل أم سيتم استبعاده ونفيه من قطاع التعليم، خائفا مفزوعا من ماسيأتي، لا يعرف معنى الإستقرار، وفوق ذلك تطالبه بالإستقرار..

أنا هنا لن أستعرض التجارب الدولية، إنهم يقتدون بفرنسا، ماذا فعلت هذه الأخيرة، أقرت فعلا التعاقد في بداية التسعينات ووصل عدد المتعاقدين إلى خمسة عشر في المئة، ومابقي مرسمون، لكن لاحظ الباحثون التربويون والخبراء في التربية أن المتعاقد قد يشتغل في عدة مؤسسات في السنة وفكل نهاية السنة يعين من جديد، أي يرتحل فيكون أدائه ناقصا وعشوائيا وبدون هدف والسبب ليس الكفاءة بل عدم الإستقرار، وثانيا ضعف الأجور مقارنة بالمرسمين، وزد على ذلك مشكلة التميز والضيق القانوني وعدم الإستفادة  المتعاقد من التقاعد بل يدمج في تقاعد أي صندوق خاص كما العمال والمؤجورين، فألغت في نهاية سنة 2016 نظام التعاقد وحافظت على الترسيم.

في المغرب المغالطات بالمجان لدى المسؤولين التربويين والإداريين، خاصة عندما يجيبون عن سؤال لماذ نظام التعاقد؟ يجيبون إنه آلية عملية لسد الخصاص وخفض نسبة الإكتظاظ، نعم جواب جميل، من يؤدي أجورهم؟ يجيبون الدولة عن طريق الوزارة الوصية بتوسط الأكاديميات، أي أن الأكاديميات لازالت غير قادرة على أداء أجورهم، وهل هم مختلفين عن المرسمين؟ يقولون بكل شجاعة ليس مختلفين بل هم متشابهين تماما، ويخضعون تقريبا لنفس القانون، وهنا تبدأ التفاهة، إذن بما أنهم متشابهين لماذا لا يخضعون لنفس النظام الأساسي؟ لماذا قانون الإطار؟ لماذا ليس لهم نفس الحق في التقاعد والحركة الإنتقالية، هنا تكشف اللعبة ويفضح المستور، والأكثر من ذلك يتحججون بالجهوية الموسعة، في التعليم ،ماهذا العبث؟ جهة سوس ماسة لها جامعة تقدم خدماتها من الأكادير للكويرة، ومستشفى الحسن الثاني كذلك، عن أي جهوية تتحدثون، والسخرية الكارثية، هي ممنوع الإلتحاق بالزوجة بمعنى سيصبح الزواج جهويا أيضا، إنها جهوية رومنسية مؤسسة على الحب الجغرافي المحدد في الجهة، يا سلام على التخطيط والذكاء، ولما وقعت عاصفة الإضرابات، ماذا فعلت الوزارة الوصية، قالت سنبدل مفهوم التعاقد،بمفهوم التوظيف، وسنسميهم بموظفي الأكاديميات، والله غاية في الدوخة السياسة وأزمة إرادة وقرار، وضعف بين في تدبير مصالح المواطنين، من هنا سنطرح سؤال فرنسا، ماذا حصدنا من التعاقد؟ والمعروف أن أغلب الدول والأقرب إلينا تونس المتعاقدين وقعوا وبعد ذلك دخلوا في الإضرابات الماراطونية، جنينا الإرتباك، وتضيع حقوق الشغيلة والتلاميذ، بقرارات لا تستند على تصور واقعي واضح، هل سنظل نرتجل؟ إنه التعليم ثاني أولوية بعد الوحدة الترابية، إنه عماد الأمة، به نصنع مواطن الغد، التعليم رافعة التنمية، ويستحيل تطوير مجتمع بدون تعليم، هو جوهر العمود الفقري لصناعة التقدم كفانا من الإرتجال، بل نستفد من تجارب الدول ونعيد النظر في القرارات، أنا لا أعرف عندما سيصبح المرسمين الناشطين 10في المئة والمحالين على التقاعد يشكلون 80 في المئة من أين سيأتي صندوق التقاعد بالأموال، هل سيرفع المساهمات، أم سيلغون التقاعد، مصير مجهول ونتائج كارثية لاداعي لتفصيل فيها، لكي لا نحسب في نطاق التصورات العدمية. لماذا لا تطرح مواثيق ونصوص ومبادئ الميتاق الوطني للتربية والتكوين وتطرح أهداف الرؤية الإستراتيجية للتعليم، ونقول لرأي العام أنه سيأتي وقت تؤدي فيها الأسر عن تعليم أولادهم، بدءا من طرح رسوم التسجيل الجامعية نزول إلى الثانوي وصولا إلى الإبتدائي والأولي، لماذا الإختباء، لماذا التركيز على المفاهيم الطنانة مثل تجويد خدمة التعليم، رفع المردودية، حفظ الزمن المدرسي، كلها أهذاف جميلة ونبيلة ولكن ستمرر عن طريق مشاريع تشبه التعاقد، هل هذا الأمر يصلح لنطامنا التربوي ووضعنا الإقتصاد والإجتماعي، أم أننا نقف وننتج الأراء المموهة، واقع الحال اليوم يدعي الوضوح، العالم أضحى قرية صغيرة، لا مجال للإختباء، بل الإفصاح عن الحقيقة ،هي سبيل بناء مجتمع ومواطن الغد، فوق أزمة التعاقد هنا أزمة وسائل العمل البيداغوحية واللوجستيكية شبه منعدمة.

هناك أزمة القيم، هناك أزمة جاذبية المدرسة، التلميذ منغمس في التكنولوجيا، والمدرسة تفتقر لأبسط الوسائط التكنولوجية، في العديد من مراحل السنة الأستاذ يصرف من جيبه لشراء أقلام الحبر لإتمام الدرس أو السنة الدراسية، إن صرت أعد في الأزمات، ربما سينظر للتعاقد، كأنه أزمة بسيطة، أزمات عويصة ومركبة ،نعول على منظومة القيم ونرغب في إعادة بناءها والمدرسة من أهم المقومات، إننا نحتاج للحظة تأمل، لحظة حقيقة، لحظة جلد الذات، لحظة فضح، ولحظة أمل وتفاؤل في الجيل الجديد، الذي أدخل في متاهة التعاقد، وضبابية المصير.

تعليقات
تحميل...